ابن قيم الجوزية

238

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بإخباره عن صحتها ، أو بموافقتها أمره . وكلاهما منتف عن هذه العبادة . فكيف يحكم لها بالصحة ؟ . قالوا : فالصحة والفساد حكمان شرعيان ، مرجعهما إلى الشارع . فالصحيح : ما شهد له بالصحة ، أو علم أنه وافق أمره ، أو كان مماثلا لما شهد له بالصحة . فيكون حكم المثل مثله . وهذه العبادة قد انتفى عنها كل واحد من هذه الأمور . ومن أفسد الاعتبار : اعتبارها بالتأخير المعذور به . أو المأذون فيه . وهو اعتبار الشيء بضده ، وقياسه على مخالفه في الحقيقة والشرع . وهو من أفسد القياس ، كما سيأتي . قالوا : وأما استدلالكم بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من نام عن صلاة ، أو نسيها . فليصلها إذا ذكرها » فأوجب القضاء على المعذور . فالمفرّط أولى . فهذه الحجة إلى أن تكون عليكم ، أقرب منها أن تكون لكم . فإن صاحب الشرع شرط في فعلها بعد الوقت : أن يكون الترك عن نوم أو نسيان . والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه . فلم يبق معكم إلا مجرد قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة على من عذره اللّه ، ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية . كما ثبت عنه في الصحيح « ليس في النوم تفريط . إنما التفريط في اليقظة : أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي بعدها » وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل ؟ . قالوا : وأيضا فهذا لم يؤخر الصلاة عن وقتها . بل وقتها المأمور به لمثله : حين استيقظ وذكر . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . فإن ذلك وقتها . فإن اللّه يقول : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] » وهذه اللام عند كثير من النحاة اللام الوقتية ، أي عند ذكري ، أو في وقت ذكري . قالوا : والنبي صلى اللّه عليه وسلم ما صلى الصبح يوم الوادي بعد طلوع الشمس إلا في وقتها حقيقة . قالوا : والأوقات ثلاثة أنواع : وقت للقادر المستيقظ الذاكر غير المعذور . فهي خمسة . ووقت للذاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثة . فإن في حقه : وقت الظهر والعصر واحد . ووقت المغرب والعشاء واحد . ووقت الفجر واحد . فالأوقات في حق هذا ثلاثة . وإذا أخر الظهر إلى أن فعلها في وقت العصر فإنما صلاها في وقتها . ووقت في حق غير المكلف بنوم أو نسيان . فهو غير محدود البتة . بل الوقت في حقه : عند يقظته وذكره . لا وقت له إلا ذلك . هذا الذي دلت عليه نصوص الشرع وقواعده . وهذا المفرط المضيع خارج عن هذه الأقسام . وهو قسم رابع . فبأيها تلحقونه ؟ . قالوا : وقد شرع اللّه سبحانه قضاء رمضان لمن أفطره لعذر ، من حيض أو سفر أو مرض . ولم يشرعه قط لمن أفطره متعمدا من غير عذر ، لا بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ، ولا تقتضيه قواعده . وإنما غاية ما معكم : قياسه على المعذور مع اطراد قواعد الشرع على التفريق بينهما . بل قد أخبر الشارع : أن صيام الدهر لا يقضيه عن يوم يفطره بلا عذر . فضلا عن يوم مثله . قالوا : وأما قولكم « إنه كان يجب عليه أمران : العبادة ، وإيقاعها في وقتها . فإذا ترك أحدهما بقي عليه الآخر » فهذا إنما ينفع فيما إذا لم يكن أحد الأمرين مرتبطا بالآخر ارتباط